Sale!

مفهوم السياسي

14,00 11,00

عدد الصفحات : 207 القياس : 21 * 14

يتحدث شميت في الفصل الأول «بين الدولتي والسياسي» عن إشكاليات متعددة في تعريف مفهوم السياسي، ويحصرهما في إشكاليتين: الأولى هي تعريفه دائمًا من خلال مقابلته بالاقتصادي والأخلاقي والقانوني وخلافه، فلا «يكون [ذلك] تحديدًا للنوعي في السياسي». تتمثل المشكلة الثانية في ربطه دائمًا بالدولة وإحالته إليها، كما في حالات «الأدبيات القانونية المتخصصة [التي] تردُ فيها تحديدات كثيرة … لما هو سياسي، والتي لا يمكن فهمها إلا من باب الفائدة الفنية-العملية في اتخاذ القرار القانوني والإداري في الحالات المتفرقة»، كما الإشارة إلى حظر التجمعات السياسية في أبنية الجهاز الإداري مثلًا.

يعلّق شميت على الإشكالية الثانية بأن الربط الدائم بين السياسي والدولتي لا يصلح إلا في الحالة التي كان يمكن التمييز فيها بين الدولة والمجتمع، إذ كان هناك اعتراف قانوني «بلا-دولتية مسائل دينية وثقافية واجتماعية وغيرها»، مما يعني «أن هنالك حقولًا معينة تشكّل مجالًا لمصالح جماعات وتنظيمات ما ونفوذها، ولا تخضع للدولة وسلطتها». إلا أنه عندما تتداخل الدولة بالمجتمع، وينشأ ما أسماه شميت بـ «الدولة الكلية» -أي المعنية بكل حقول المجتمع والمسيطرة عليها، من حيث الإمكان على الأقل- تصبح «المطابقة (الدولتي = السياسي) خاطئةً ومضللة».

وفي فصله الثاني «تمييز العدو والصديق كمعيار للسياسي»، يؤسس شميت للمعيار الذي يراه حاسمًا في تعريف السياسي بعد الأطروحات السابقة. يؤكد شميت بدايةً أن لكل حقل تمييزًا نوعيًا خاصًا به يحدد ماهيته؛ فالحقل الأخلاقي يميز بين الخير والشر، والاقتصادي يميز بين النافع والضار أو الرابح والخاسر، والجمالي يميز بين الجميل والقبيح.

ويشير شميت إلى أن التمييز النوعي للحقل السياسي، والذي يميزه عن أي حقل آخر هو التمييز بين الصديق والعدو. يتسم كل تمييز بالاستقلال عن التمييزات الأخرى، فالجميل قد يكون شريرًا، والعدو قد يكون جميلًا، والنافع قد يكون قبيحًا، وهلم جرا. ويرى شميت أنه كي يكون العدو عدوًا يكفي «أن يكون -بالمعنى الوجودي- شيئًا غريبًا ومغايرًا، بحيث تغدو النزاعات معه في الحالات القصوى ممكنة»، وأن إطلاق الأحكام بالصداقة أو العداوة لا يكون ممكنًا «إلا عند المشاركة الوجودية»، فوحدهم «المشاركون فعليًا في حالة النزاع القصوى يمكنهم أن يكتنهوه» ويقروا بأن وجود هذا الآخر منافٍ ومناقضٍ لوجودهم.

يشير في النهاية إلى أنه يحدث أحيانًا الخلط بين هذه المتعاكسات المختلفة نتيجة الواقع النفساني للفرد، فينزع إلى اعتبار العدو شريرًا وقبيحًا، إلا أن ذلك لا ينافي استقلالها. فهذا التقابل النوعي بين العدو والصديق هو أوضح صور الوجود الموضوعي والمستقل لحقل السياسي عن بقية الحقول. وبذا يكون قد تميز مفهوم السياسي عن الأخلاقي والاقتصادي والجمالي.

ويفصّل شميت في فصله الثالث «الحرب كتمظهر للعداء» مفهوم العدو بشكل أوسع، على الرغم من أنه في مقدمة عام 1963 أقر بأن هذا التفصيل كان ناقصًا، لأن هناك ضروبًا شتى «من العدو -العدو التقليدي والحقيقي والمطلق- لم تُميّز وتفصل بعضها عن بعض بشكل كافٍ ودقيق». العدو لدى شميت هو «جماعة من الناس، تحمل بالضرورة إمكانية القتال الواقعية في مقابل جماعةٍ أخرى حالها كذلك».

ويميز شميت بين العدو العام (العدو السياسي hostis) والعدو الخاص (inimicus). «فالعدو بمعنى hostis هو الذي نحن في حرب عامةٍ معه … وهو بذا يتميز عن العدو بمعنى inimicus الذي ننفر منه لسبب خاص. وهكذا يجوز التمييز بين العدو الخاص الذي يكرهنا، والعدو العام الذي يقاتلنا». والعدو الذي يتحدث عنه شميت في مقابل الصديق هو العدو السياسي الذي يتنافى وجوده مع وجود عدوه؛ كما كان الأمر في «حرب الألف عام بين المسيحية والإسلام».

هذا التقابل السياسي بين الصديق والعدو هو «التقابل الأشد والأقصى». وكنهه الأساسي هو «إمكانية القتال المتوفرة في حيز الواقع». ومع ذلك، ينشأ في إطار الدولة «مفاهيم ثانوية عديدة لما هو سياسي»، إلا أن وجود تضاد متعين [-وفي جوهره التضاد بين الصديق والعدو-] يمثل جوهر العلاقات السياسية. يتضح هذا الأمر مثلًا في صورة أن «جميع المفاهيم السياسية والتصورات والكلمات تتميز بمعنى سجالي» من قبيل «الدولة أو الجمهورية؛ المجتمع أو الطبقة؛ الملكية المطلقة أو الدكتاتورية؛ الدولة الحيادية أو الكلية».

ويؤكد شميت أن «ظاهرة السياسي لا يمكن فهمها إلا بنسبها إلى إمكانية الاصطفاف الواقعية على أساس العدو والصديق»؛ أي الدخول في حالة حرب وصراع بالمعنى الوجودي الفيزيائي. «فالحرب تلزم عن العداء، والأخير ليس إلا النفي الوجودي لوجودٍ مغاير». إلا أنها مجرد تحققه الأقصى، «وليست شأنًا يوميًا اعتياديًا، ولا شيئًا مثاليًا مبتغى»، ولكنها تظل إمكانية واقعية حاضرة، وهي «الأداة الأخيرة المتمثلة باصطفاف العدو-الصديق». و«إمكانية الحرب هي ما يهب حياة الإنسان معناها السياسي النوعي».

Reviews

There are no reviews yet.

Be the first to review “مفهوم السياسي”

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Translate »